حسن ابراهيم حسن

389

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

نيكلسون الذي يرى أن الدفاع الأصلي للخوارج عن تلك الحركة وتركهم جند على إنما هو دافع ديني برغم ما كان يشوبه من المظهر السياسي . وقد ظلت هذه الصيغة السياسية حتى خلافة عبد الملك بن مروان حيث مزجوا آراءهم السياسية بالأبحاث الدينية ، فقال إن العمل بأوامر الدين من صلاة وصام وصدق وعدل جزء من الإيمان ، وليس الإيمان الاعتقاد باللّه ورسالة محمد فحسب : فمن اعتقد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ثم لم يعمل بما يفرضه الدين وارتكب الكيائر فهو كافر . وهكذا كانت أفكار الخوارج في الدين لا نقل شدة عن أفكارهم في السياسة . وكان لتعصبهم السياسي أثر كبير في وجهه نظرهم الدينية ، فكانوا أشداء في الدين غير متسامحين لا تعرف المرونة ولا اليسر إلى نفوسهم سبيلا . ومما امتاز به الخوارج شدة تمسكهم بالقرآن واتباع أحكامه وتنفيذ أوامره . وكان خوفهم من عذاب اللّه يوم القيامة يثير في نفوسهم التحمس للحق وشدة التمسك به والائتمار بأوامر اللّه واجتناب نواهيه ، حتى لقد وصفهم الشهرستاني بأنهم « أهل صيام وصلاة » إلا أنهم غلوا في أفكارهم حتى عدوا مرتكب الكبيرة - بل مرتكب الصغيرة أيضا - كافرا ، وخرجوا على أئمتهم للهفوة الصغيرة يرتكبونها . ويتشدد كثير منهم في النظر إلى مخالفيهم من المسلمين فيعدونهم كفارا ، بل كانوا يعاملونهم بما هو أقسى من معاملة الكفار . يحكون أن واصل ابن عطاء ، رأس المعتزلة ، وقع في أيديهم ، فادعى أنه مشرك مستجير ، ورأى أن هذا ينجيه منهم أكثر مما تنجيه دعواه أنه مسلم مخالف لهم . واشتد الخوارج في معاملة المخالفين لهم ، حتى كان كثير منهم لا يرحم المرأة ولا الطفل الرضيع ولا الشيخ الفاني . وهكذا كانوا لا يتورعون عن ارتكاب أشد أعمال القسوة ، برغم ما كان من ظهورهم بمظهر العباد والزهاد ، وتورعهم عن تافه الأشياء ، وتخرجهم عن صغائر الأمور أشد التخرج . كما كانوا يأتون أفظع المنكرات وأكبر الكبائر كأنهم لا يدينون بإله ولا يعرفون شفقة ولا رحمة ، وهم مع ذلك لا يعجزون عن الإتيان بالآيات البينات من كتاب اللّه وأحاديث الرسول يستدلون بها على تبرير عملهم ، على الرغم من أن فريقا منهم قد شذ عنها ، ففهموا من قولهم : « لا حكم إلا للّه » أن المراد لا حكومة - أي لا حاجة إلى